الخطيب الشربيني
541
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ثم إنّ الله تعالى سلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى : هَلْ أَتاكَ يا أشرف الخلق حَدِيثُ مُوسى أي : أليس قد أتاك حديثه ، فيسليك على تكذيب قومك ويهدّدهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم ، فإنه كان أقوى أهل الأرض بما كان له من كثرة الجنود فلما أصرّ على التكذيب ولم يرجع ولا أفاده التأديب أغرقناه وآله ، ولم نبق منهم أحدا ، وقد كانوا لا يحصون عددا بحيث قيل : إنّ طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمائة ألف فكيف بقومك الضعاف . وقوله تعالى : إِذْ أي : حين ناداهُ منصوب بحديث لا بأتاك رَبُّهُ أي : المحسن إليه بالرسالة وغيرها بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أي : المطهر غاية الطهر بتشريف الله تعالى له بإنزال النبوّة المفيضة للبركات . وقوله تعالى : طُوىً اسم الوادي وهو الذي طوي فيه الشرّ عن بني إسرائيل ، ومن أراد الله تعالى من خلقه ونشر فيه بركات النبوّة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه ، فإن العلماء قالوا : إنّ عذاب الاستئصال ارتفع حين أنزلت التوراة ، وهو واد بالطور بين إيلة ومصر ، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير تنوين في الوصل والباقون بالتنوين . وقوله تعالى : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ أي : ملك مصر الذي كان يستعبد بني إسرائيل على إرادة القول إِنَّهُ طَغى أي : تجاوز الحدّ في الكفر وعلا وتكبر . وقال الرازي : لم يبين أنه طغى في أي شيء ، فقيل : تكبر على الله تعالى وكفر به ، وقيل : تكبر على الخلق واستعبدهم . وروي عن الحسن رضي الله عنه قال : كان فرعون علجا من همدان ، وقال مجاهد رضي الله عنه : كان من أهل إصطخر . وعن الحسن أيضا : كان من أصبهان يقال له : ذو الظفر طوله أربعة أشبار . وقوله تعالى : فَقُلْ أي : له هَلْ لَكَ أي : هل لك سبيل إِلى أَنْ تَزَكَّى أي : تتطهر من الكفر والطغيان . قال ابن عباس رضي الله عنهما : بأن تشهد أن لا إله إلا الله . وقال أبو البقاء : لما كان المعنى أدعوك جاء بإلى ، وقال غيره : يقال هل لك في كذا ، وهل لك إلى كذا كما تقول : هل ترغب فيه وهل ترغب إليه . وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي ، والأصل تتزكى والباقون بتخفيفها . وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ أي : وأنبهك على معرفة المحسن إليه فَتَخْشى لأنّ الخشية لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] أي : العلماء به ، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر من خشي الله تعالى أتى منه كل خير ، ومن أمن اجترأ على كل شرّ . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل » « 1 » بدأ بمخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه : هل لك أن تنزل بنا ، وأردفه الكلام الرفيق ليستدعيه للتلطف في القول ويستنزله بالمداراة من علوه كما أمر بذلك في قوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [ طه : 25 ] الآية . وقال الرازي : سائر الآيات تدل على أنه تعالى لما نادى موسى عليه السلام ذكر له أشياء كثيرة نُودِيَ
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القيامة حديث 2450 ، والحاكم في المستدرك 4 / 308 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8 / 441 ، 10 / 179 ، 259 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 / 37 .